مشكل الفائض وتقليص البنية التربوية بالمغرب: الأسباب، التدبير، وتحديات الدعم

مشكل الفائض وتقليص البنية التربوية بالمغرب: الأسباب، آليات التدبير، وتحديات الدعم التربوي

قراءة تحليلية في خلفيات ملف الفائض التربوي، أسباب تقليص البنيات، انعكاسات مشاريع الإصلاح، وجدلية التكليف بمهام الدعم.

يعتبر ملف “الفائض التربوي” وتقليص البنيات من أكثر الملفات سخونة وتعقيداً مع انطلاق كل موسم دراسي بالمغرب، نظراً لما يترتب عنه من توترات مهنية واجتماعية مستمرة بين الإدارة التربوية وهيئة التدريس.

1. ما هو “الفائض” أساساً؟

يُقصد بـ الفائض (Le Surplus) في قطاع التعليم، الحالة التي يتجاوز فيها عدد الأساتذة العاملين بمؤسسة تعليمية معينة الاحتياجات الفعلية للبنية التربوية لنفس المؤسسة.

  • كيف يتحدد؟ بعد انطلاق الموسم الدراسي وتحديد عدد الأقسام المسموح بها بناءً على أعداد التلاميذ والخريطة المدرسية، يُسند لكل أستاذ جدول حصص كامل (نصاب قانوني).
  • حالة الفائض: إذا تبقى أستاذ (أو أكثر) لم يُخصص له جدول حصص كامل لعدم وجود أقسام كافية، أو نتيجة تقليص عدد الأقسام في المؤسسة، يُصنف رسمياً ضمن “الأساتذة الفائضين” عن حاجيات تلك المؤسسة.

2. كيف تقوم المديرية الإقليمية بتقليص البنية التربوية؟

تقوم المديريات الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بإعادة النظر في الخريطة المدرسية وتقليص البنية التربوية لعدد من المؤسسات بناءً على مؤشرات معينة، وتتم العملية عبر الآليات التالية:

  • تراجع أعداد التسجيل: انخفاض عدد التلاميذ الوافدين أو المسجلين الجدد في مستوى معياري معين (مثل المستوى الابتدائي الأول أو الجذوع المشتركة).
  • رفع عتبات إحداث الأقسام (Les seuils): اعتماد أرقام دنيا صارمة لعدد التلاميذ للسماح بفتح قسم جديد؛ فإذا لم يبلغ العدد المطلوب، ترفض المديرية الترخيص بفتح القسم.
  • سياسة “ضم الأقسام” (Fusion des classes): اللجوء إلى دمج مستويين دراسيين أو أكثر في قسم واحد (الأقسام المشتركة)، أو دمج أقسام تعاني من قلة عدد التلاميذ، مما يقلص عدد الأقسام الإجمالي وبالتالي الاستغناء عن المناصب المالية المرتبطة بها وخلق الفائض.

3. كيف يتم تدبير ملف الفائض؟

تخضع عملية تدبير الفائض والخصاص لمذكرات تنظيمية مؤطرة (أبرزها المذكرة الإطار المتعلقة بتدبير الفائض والخصاص)، وتمر عبر المراحل الآتية:

  • معايير التنقيط والترتيب: عند وجود فائض في مؤسسة ما، يتم ترتيب الأساتذة المعنيين بناءً على سلّم تنقيط يعتمد على الأقدمية بالمؤسسة، الأقدمية بالمديرية الإقليمية، والأقدمية العامة في القطاع (تاريخ التوظيف)، حيث يعتبر الحاصلون على أقل نقط ترتيبية هم الفائضين المعنيين بالانتقال.
  • المسارات الإدارية للتدبير: تنظيم حركة محلية داخل الجماعة الترابية لسد الخصاص في المؤسسات المجاورة، أو إصدار قرارات تكليف إجبارية لتغطية الخصاص القائم بمؤسسات أخرى داخل الإقليم.

4. دور “مدارس الريادة” في خلق الاكتظاظ وتوجه الوزارة لتقليص البنية

يعرف برنامج “مؤسسات الريادة” تناقضاً ميدانياً يثير جدلاً واسعاً بين الفاعلين التربويين:

  • شعار الجودة مقابل الواقع: من جهة، ترفع الوزارة شعار تقليص الاكتظاظ وحصر أعداد التلاميذ في حدود معينة لضمان فعالية المقاربات البيداغوجية مثل “التدريس وفق المستوى المناسب” (TaRL).
  • الأثر العكسي للاختيار: من جهة أخرى، فإن إعادة هيكلة المؤسسات واعتماد معايير صارمة لانتقاء مدارس الريادة أو دمج الأقسام لتفريغ قاعات خاصة بالأنشطة والدعم، يتسبب أحياناً في تقليص البنيات الكلاسيكية، مما ينتج عنه اكتظاظ جانبي في بعض الأقسام المجاورة وتفريخ أعداد إضافية من الأساتذة الفائضين.

5. تكليف أساتذة الفائض بمهام “الدعم التربوي” (وخلفيات المقاطعة)

في ظل وجود أعداد هائلة من الأساتذة الفائضين أو الذين لا تتوفر في جدول حصصهم ساعات كاملة، تعتمد الإدارة تدابير بديلة:

  • توجه الإدارة: تعمد المديريات الإقليمية ومجالس المؤسسات إلى تكليف الأساتذة الفائضين بتأمين حصص الدعم التربوي والاستدراكي (سواء في إطار الدعم العادي أو برامج “الدعم التربوي الممتد” بمؤسسات الريادة) لتغطية العجز الحاصل في التعلمات الأساسية.
  • خلفيات المقاطعة والرفض: تاريخياً وميدانياً، عرفت برامج التكليف بالدعم التربوي احتقاناً ومقاطعة من طرف فئات واسعة من الأساتذة والفرقاء الاجتماعيين، وذلك لاعتبارها تعويضاً تعسفياً عن النقص البنيوي في الإطار البشري وليست استراتيجية بيداغوجية مهيكلة، فضلاً عن إثقال كاهل الأساتذة المكلفين بأعباء إضافية خارج نصوص التعيين الأصلي دون تحفيزات مادية كافية ومضمونة.

خلاصة واستنتاج

يبقى تدبير ملف الفائض وتقليص البنيات مرآة حقيقية لتحديات التخطيط التربوي بالمغرب، حيث يتطلب الأمر موازنة دقيقة بين ترشيد الموارد البشرية وضمان جودة العرض المدرسي بعيداً عن الحلول الترقيعية التي تؤجج الاحتقان المهني.

Scroll to Top